✨آخر ما كتبتُه كسوريّة ✨
العشرية السوداء الثانية: حين انكسر الضوء في سماء سوريا
كانون الثاني - شباط ٢٠٢٥
بقلم: د. هيلين عباس
كانت ليلة السابع من كانون الأول عام 2024 ليلةً سوداء، لا تشبه سواها في تاريخ البلاد لم تكن ظلمة تلك الليلة ناجمة عن سقوط نظام دكتاتوري لطالما جثا على صدور السوريين، بل عن الفاجعة التي تبعت ذلك السقوط، عن الانكسار التام الذي أصاب الجيش العربي السوري، أولئك الشباب و خاصة العلويين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا قائد، بلا توجيه، بلا وطن يعودون إليه
في تلك الساعات القاسية، تلاشت الأوامر، تبعثرت الصفوف، وتحوّل الجنود إلى أشباح تتخبط في الفراغ علموا أن قادتهم قد غادروهم، وأن من أقسموا أمامهم على “الشرف والتضحية والولاء” قد خانوا الوعد وهربوا من البلاد. سار كثير منهم سيرًا على الأقدام مئات الكيلومترات، من دير الزور والبوكمال، من حمص وحماة، من الجنوب والشمال، يحملون ما تبقّى من كرامتهم فوق أكتاف الإنهاك والجوع والخوف وعلى الحواجز التي نصبتها “هيئة تحرير الشام”، اعتُقل العشرات، وقُتل المئات، فقط لأنهم ينتمون إلى الديانة او الطائفة الخطاً
إرادة دولية تُسقِط وطناً🍁
لم يكن سقوط دمشق صدفة، ولا نتيجة معركة أخيرة بين متقاتلين أنهكهم النزيف الطويل، بل كان تتويجًا لتسوية دولية مظلمة، شاركت فيها واشنطن وأنقرة وطهران وموسكو، لتسليم البلاد إلى رجل واحد: أبو محمد الجولاني؛ ذلك الاسم الذي عرفه السوريون أول مرة في ساحات الدم، حين خرج من عباءة “القاعدة” في العراق ليؤسس “جبهة النصرة” في سوريا، ثم “هيئة تحرير الشام” في إدلب، رجل جرى تلميعه فجأة، وأُلبس عباءة الاعتدال الزائفة، وقدّم للعالم باسم جديد هو “أحمد الشرع”، ليظهر كزعيم وطني يمكن التفاوض معه، لكنّ الدم لا يُغسَل بالتجميل، ولا تُمحى ذاكرة الجريمة بالمكياج السياسي
دخل الجولاني إلى دمشق كما يدخل الغازي إلى أرض غريبة، مدعومًا بتفاهمات إقليمية في الوقت نفسه، انسحب أحمد العودة من الجنوب، مُسلِّمًا بالمشهد الجديد وهكذا، صار الرجل الذي كان بالأمس رأس الإرهاب هو “المنقذ” الجديد، وتحوّل بعض من سمّوا أنفسهم “ثوارًا” إلى مبرّرين لكل ما اقترفته يداه، فقط لأن الجلاد هذه المرة يرفع راية المذهب الذي يريدونه على كرسي الحكم
الثورة التي كشفت وجهها 🍁
من الصواب أن نقول أن ثورة 2011 لم تكن ثورة من أجل العدالة والكرامة والحرية، بل وسيلة لتبديل الطائفة لا لتبديل النظام ، فقد تبيّن أن ما كان يُراد بها هو تغيير “مذهب الديكتاتور”، لا إسقاط الديكتاتورية. هكذا وجدنا من يبرر جرائم صدام حسين بالأمس، ذاته يبرر اليوم جرائم الجولاني، لأن المجرم هذه المرة “من أهل السنة”، وكأن الظلم يغدو طاهرًا حين يحمل ختم الطائفة
حين صارت الطائفة هدفًا للإبادة🍁
منذ تلك الليلة السوداء، تعيش الطائفة العلوية مأساة وجودية يُعتقل أبناؤها عشوائيًا، يُقتلون بلا محاكمات، يُهجّرون من بيوتهم، يُرمى بهم في العراء لا قوائم بأسماء المعتقلين، لا محاضر قضائية، لا أحد يعرف مصير عشرات الآلاف من الشباب الذين اختفوا منذ الثامن من كانون الأول 2024 . تقدّر الأرقام عدد المفقودين والمخطوفين من العلويين وحدهم بثلاثين ألف إنسان – ثلاثون ألف حياة انطفأت في غموض مقصود
في الساحل السوري، في اللاذقية وطرطوس وحمص وحماة ودمشق، يُمارس تطهير عرقي صريح ، تُقطع الكهرباء والماء والغاز والإنترنت، تُغلق المحال، تُفصل الموظفات من أعمالهن، يُجبر الناس على ترك بيوتهم وفي الوقت نفسه، تنتشر على وسائل الإعلام تسجيلات تظهر مقاتلين محليين و آخرين من فصائل أجنبية – أوزبكية وتركمانية وطاجيكية – وهم يعتدون على العلويين بعبارات عنصرية مهينة “كلب نصيري”، “خنزير علوي”، “سنُبيدكم “ . تُحرق المقامات، تُدمر أماكن العبادة، وتُهان الرموز الدينية في مشاهد تذكّر بما فعله النازيون باليهود في بدايات القرن الماضي
النازية الجديدة: بثوب الجهاد🍁
ما تمارسه هيئة تحرير الشام اليوم لا يختلف كثيرًا عن النازية القديمة ، فهي تبني عقيدتها على الكراهية، وتقوم على فكرة “نقاء الجماعة” وإبادة المختلف حتى الشباب العادي المنتمي إلى قاعدتها الشعبية يخرج في مظاهراته وهو يرتدي “تيشيرتًا” غربياً، يهتف بالعربية: “سنُبيد العلويين”، في تناقض يختصر مأساة وعي جيلٍ ضائع بين الجهل والاستعلاء و العنصرية والتخلف .
الجولاني… الحاكم بلا صفة🍁
حين اعتلى الجولاني سدة الحكم في دمشق، لم يكن رئيسًا للجمهورية، ولا رئيسًا لحكومة، ولا حتى وزيرًا كان زعيم ميليشيا، فرض نفسه بالقوة، وأعلن تعطيل الدستور وإيقاف عمل البرلمان، وأدخل البلاد في حالة طوارئ دائمة
في ظل هذه الحالة، جرى إعدام الآلاف من العلويين والمسيحيين والدروز والإسماعيليين، وحتى من السنة المعتدلين، لكن النسبة الأكبر من الضحايا كانت من العلويين، لأن شعار الجماعات المسلحة كان ولا يزال:
“إبادة النصيرية”
عيّن الجولاني حكومة من لون طائفي واحد، جلّ وزرائها يحملون الجنسية التركية، كما أسند مناصب عسكرية رفيعة إلى مرتزقة أجانب، في خرقٍ صارخٍ لكل قوانين الدولة السورية أما وزارة العدل، فسلّمها إلى قاضٍ شرعي سابق في إدلب، ظهر في تسجيل مرئي وهو ينفذ حكم الإعدام في امرأة بتهمة الزنا كيف يمكن لوطنٍ أن يُدار بعدلٍ على يد قاتل؟ أما وزارة شؤون النساء، فترأستها امرأة تركية أعلنت أنها ستعيد المرأة السورية إلى “مكانها الطبيعي”، أي إلى ظلام التاريخ
الاحتلال وتفكك الخريطة🍁
في الشمال، تمارس المجموعات المدعومة من أنقرة تطهيرًا بحق الكرد في عفرين ومنبج والحسكة. وفي الجنوب، توغلت إسرائيل أكثر من 400 كيلومتر داخل الأراضي السورية، لتصبح سوريا اليوم ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يقطف من جسدها الممزق جزءًا. بلد بلا سيادة، بلا جيش، بلا هوية جامعة
الهوية الأخيرة… والوطن الذي تبدّل🍁
بعد كل هذا الخراب، لم يعد لي ما أتشبث به سوى ما يحاولون قتله فيّ. هويتي العلوية، التي كنت أراها تفصيلًا صغيرًا في فسيفساء الوطن، صارت اليوم عنواني الوحيد، لأن البقاء صار تهمة، والاختلاف صار جريمة
قبل أن أكتفي بهويتي العلوية، كنت أؤمن أن سوريا تسعنا جميعًا، أما الآن، فالوطن نفسه صار منفى، والمنفى وطنًا بديلاً.
لقد دخلنا العشرية السوداء الثانية، لكنها هذه المرة ليست حربًا على النظام، بل حربًا على الوجود نفسه، على ذاكرة الطائفة، على فكرة التنوع التي كانت قلب سوريا الحقيقي وربما، حين ينتهي كل هذا، لن تبقى سوى أطلالٍ تشهد أننا كنا هنا… وأننا أحببنا هذا الوطن حتى آخر رمقٍ من الضوء
تتمة مؤجلة: الوطن كما أدركته بعد آذار 2025🍁
منذ كتبتُ هذا المقال في كانون الثاني 2025 حتى هذه اللحظة، تغيّرتُ كثيرًا ما حدث بعد ذلك، في مجازر آذار 2025 – الموثقة في تقارير رويترز والتايمز والأمم المتحدة – لم يكن مجرد فصل جديد من العنف، بل كان مرآةً كاملة لانهيار مفهوم الوطن فيّ لقد رأيتُ، في تفاصيل تلك التقارير، ملامح الشباب الذين حلمتُ بهم وطنًا. أولئك الذين أُبيدوا مرتين: مرة تحت أوامر النظام السابق، ومرة بيد سلطة الأمر الواقع بقيادة الجولاني
كل ما حدث طهّرني من الأيديولوجيات التي كبّلتني لسنوات، وجعلني أرى بوضوح أن الوطن لم يكن في الشعارات ولا في الهتافات ولا في الرايات، بل كان –وسيظل– في وجوه أولئك الشباب العلويين الذين ماتوا بصمت، في أيديهم المتعبة التي حملت السلاح دفاعًا عن الأرض، ثم تُركت معلّقة بين خيانة النظام وجنون التطرف. هكذا أدركتُ أن الوطن الحقيقي لم يكن قصر الشعب ولا قاعات السلطة، بل كان يسكن في القلوب التي نزفت حبًا وصبرًا وانتماءً، حتى آخر لحظة في العشرية السوداء الثانية من سوريا
#Alawites
#SyrianMinorities
#CollectiveMemory
#SurvivingGenocide
#EthnicCleansing
#SectarianViolence
#VoicesFromSyria
#HumanTragedy
#UnheardStories
#WitnessingHistory
#Syria #Alawites #HumanExperience #PostWarSociety #CollectiveMemory #SurvivingGenocide #LiteraryWriting #WomenWriters #WitnessingHistory
🍁About my project 🍁
✨ The Alawites — A Story Yet Unfinished
Dr. Helin Abbas
Arya Stark
“Where light is secretly placed.”
An individual, multi-platform project exploring the hidden, silenced, and sacred dimensions of Alawite history, philosophy, and identity.
From ancient metaphysics of light to the modern struggles for survival — each episode, each essay, uncovers a voice that history tried to erase.
✴️ Available on:
🟠 Substack: drhelinabbas.substack.com/subscribe
🔴 YouTube: youtube.com/@alawites-j6l
🟢 Spotify: open.spotify.com/show/1UeJ4Bl9drFXoN6qCitT0m



